Follow by Email

الخميس، 23 مايو، 2013

سيميولوجيا النص والخطاب



سيميولوجيا النص – نظري-
المحاضرة (1) :
1)   مدخل مفاهيمي :
مفهوم النص :
         مفهوم النص في اللغة العربية له 04 معاني :
         1- الرفع : نص الشيء أي ارتفع ، ومنه سميت المنصة بذلك لارتفاعها.
2- الإظهار: نص الشيء أي ظهر وبان ومنع سميت الجبهة ناصية لظهورها.
         3- ضم الشيء إلى الشيء : نصصت الشيء أي وضعت بعضه فوق بعض
         4- أقصى الشيء ومنتهاه: وصلت لنص الشيء أي لنهايته وآخره.
         أما في اللغة اللاتينية نجد مصطلح Texte : والذي يعني الحياكة والنسيج كما يطلق على المتن، جمع متون أي نصوص ، كما تطلق كلمة Texte على الكتاب المقدّس أو كتاب القدّاس، وهو في اللاتينية textus، وتعني النسيج .
         في حين أن  تعريفه في قاموس LAROUSSE)الفرنسي) (النص) : هو مجمل المصطلحات الخاصة التي نقرؤها عن كاتب، وتعريفه في قاموس ( (ROBERT) الفرنسي (النص) مجموعة من الكلمات والجمل التي تشكل مكتوبا أو منطوقا.  
         اصطلاحا : يرى بول ريكور " P.Recourd" أن النص "خطاب تم تثبيته بواسطة الكتابة” ، أي أن النص نوع من الخطاب ، فالخطاب أشمل وأعم من النص ، ويؤكد بول ريكور على تثبيت النص بواسطة الكتابة أي أن النص هو ما نكتبه.
         أما عند رولان بارث  ROLAND BARTH:”النص يعني النسيج ويعتبر هذا النسيج دائما إلى الآن وهونتاج وستار جاهز يكمن خلفه المعنى (الحقيقة) ويختفي بهذا القدر أو ذاك كما شدد بارث على الفكرة التوليدية التي ترى أن النص يصنع ذاته ويعمل ما في ذاته عبر تشابك دائم: تنفك الذات وسط هذا النسيج، ضائعة فيه .
          أما (هيلمسليف) HJELMSLEV.L   يستعمل مصطلح النص بمعنى واسع جدا،فهو يطلقه على أي ملفوظ أي كلام منفذ قديما كان أو حديثا، مكتوبا أو محكيا،طويلا أو قصيرا،فإن عبارة stop))أي قف ،هي في نظره نصا،كما أن الرواية بكاملها، هي أيضا نص .
مفهوم الخطاب :
         في اللغة العربية ؛ الخطاب :  من خطب: الـخَطْبُ: الشَّأْنُ أَو الأَمْرُ، صَغُر أَو عَظُم؛ وخَطَبَ الخاطِبُ على المِنْبَرِ خَطَابَةً، بالفتحِ، وخُطْبَةً، بالضمِ، هي الكلامُ المَنْثُورُ المُسَجَّعُ ونحوهُ .
أما في اللغة الأجنبية (ﺍﻟﺨﻁﺎﺏ) ﻫﻭ ﻨﻭﻉ ﻤﻥ ﺍﻟﺘﺭﺠﻤﺔ ﻟﻤﺼﻁﻠﺢ Discourse  ﻓﻲ ﺍﻻﻨﺠﻠﻴﺯﻴﺔ ﻭﻨﻅﻴﺭﻩ Discours  ﻓﻲ ﺍﻟﻔﺭﻨﺴﻴﺔ  ﺍﻟﻤﺸﺘﻕ ﺒﺩﻭﺭﻩ ﻤﻥ ﺍﻟﻔﻌل Discursereﺍﻟﺫﻱ ﻴﻌﻨﻲ (ﺍﻟﺠﺭﻱ ﻫﻨﺎ ﻭﻫﻨﺎﻙ) ﺃﻭ (ﺍﻟﺠﺭﻱ ﺫﻫﺎﺒﺎ ﻭﺇﻴﺎﺒﺎ) ﻭﻫﻭ ﻓﻌل ﻴﺘﻀﻤﻥ ﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﺘﺩﺍﻓﻊ ﺍﻟﺫﻱ ﻴﻘﺘﺭﻥ ﺒﺎﻟﺘﻠﻔﻅ ﺍﻟﻌﻔﻭﻱ، ﻭﺇﺭﺴﺎل ﺍﻟﻜﻼﻡ ﻭﺍﻟﻤﺤﺎﺩﺜﺔ ﺍﻟﺤﺭﺓ ﻭﺍﻻﺭﺘﺠﺎل، ﻭﻏﻴﺭ ﺫﻟﻙ ﻤﻥ ﺍﻟﺩﻻﻻﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻓﻀﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻠﻐﺎﺕ ﺍﻷﻭﺭﺒﻴﺔ ﺍﻟﺤﺩﻴﺜﺔ ﺇﻟﻰ ﻤﻌﺎﻨﻲ ﺍﻟﻌﺭﺽ ﻭﺍﻟﺴﺭﺩ.
         أما اصطلاحا ، فهناك من يرى أن ﺍﻟﺨﻁﺎﺏ ﻤﺭﺍﺩﻑ ﻟﻠﻜﻼﻡ ﺃﻱ ”ﺍﻻﻨﺠﺎﺯ ﺍﻟﻔﻌﻠﻲ ﻟﻠﻐﺔ“ ﺒﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﻓﻲ ﻁﻭﺭ ﺍﻟﻌﻤل ﺃﻭ ﺍﻟﻠﺴﺎﻥ ﺍﻟﺫﻱ ﺘﻨﺠﺯﻩ ﺫﺍﺕ ﻤﻌﻴﻨﺔ ، ﻜﻤﺎ ﺃﻨﻪ ﻴﺘﻜﻭﻥ ﻤﻥ ﻤﺘﺘﺎﻟﻴﺔ ﺘﺸﻜل إرسالية ﻟﻬﺎ ﺒﺩﺍﻴﺔ ﻭﻨﻬﺎﻴﺔ .
         ﻭﺍﻟﺨﻁﺎﺏ ﺤﺴﺏ (ﺒﻨﻔﻨﻴﺴﺕ E.Benveniste)  : ﻫﻭ ﻜل ﺘﻠﻔﻅ ﻴﻔﺘﺭﺽ ﻤﺘﺤﺩﺜﺎ ﻭﻤﺴﺘﻤﻌﺎ،  ﺘﻜﻭﻥ ﻟﻠﻁﺭﻑ ﺍﻷﻭل ﻨﻴﺔ ﺍﻟﺘﺄﺜﻴﺭ ﻓﻲ ﺍﻟﻁﺭﻑ ﺍﻟﺜﺎﻨﻲ ﺒﺸﻜل ﻤﻥ ﺍﻷﺸﻜﺎل .
         وترى يمنى العيد أن  كل ملفوظ يندرج تحت نظام اللغة وقوانينها فهو نص ،وإذا ما خرج ليندرج تحت السياقات الاجتماعية سمي خطابا ،فالخطاب إذن يضطلع بمهمة توصيل رسالة، ومن ثم فهو مغمور في الأيديولوجيا.
بين النص والخطاب : يمكن بيان الفرق بين الخطاب وبين النص كما يلي:
         1 - يفترض الخطاب وجود السامع الذي يتلقى الخطاب، بينما يتوجه النص الى متلق غائب يتلقاه عن طريق عينيه قراءة أي أن الخطاب نشاط تواصلي يتأسس - أولا وقبل كل شيء - على اللغة المنطوقة بينما النص مدونة مكتوبة.
         2- الخطاب لا يتجاوز سامعه إلى غيره، أي أنه مرتبط بلحظة إنتاجه، بينما النص له ديمومة الكتابة فهو يقرأ في كل زمان ومكان..
         3- الخطاب تنتجه اللغة الشفوية بينما النصوص تنتجها الكتابة، أو كما قال "روبير اسكاربيت R. Escarpit "اللغة الشفوية تنتج خطابات des discours  بينما الكتابة تنتج نصوصا des textes  وكل منهما يحدد بمرجعية القنوات التي يستعملها الخطاب محدود بالقناة النطقية بين المتكلم والسامع وعليه فإن ديمومته مرتبطة بهما لا تتجاوزهما، أما النص فإنه يستعمل نظاما خطيا وعليه فإن ديمومته رئيسية في الزمان والمكان.
         إن الخطاب عن رأي ليتش وزميله شورت - تواصل لساني ينظر إليه كإجراء بين المتكلم والمخاطب، أي أنه فاعلية تواصلية يتحدد شكلها بواسطة غاية اجتماعية. أما النص فهو أيضا تواصل عبر لساني مكتوب. وتبعا لهذا فإن الخطاب يتصل بالجانب التركيبي والنص بالجانب الخطي كما يتجلى لنا على الورق ، ولكن على الرغم من هذه الفروق فإنه يوجد من لا يفرق بين الخطاب وبين النص ويستعملهما بالمعنى نفسه .
         إن الخطاب والنص يبحثان في البناء والوظيفة لوحدات اللغة الكبرى ، كما تطورا في نفس الوقت تقريبا ،لذلك هناك من يعتبرهما متطابقين ، لكن لاشك في وجود فروق كبيرة بينهما علي مستوي المفاهيم والمناهج والوظائف ، فالخطاب يركز علي اللغة والمجتمع . بالإضافة الى أن الخطاب متحرك ومتغير ، وله جمهور وهدف وقصد معين ، ويتشكل من مجموعة من النصوص والممارسات الاجتماعية .
ويشير الخطاب - كما يقول فيركلاو - إلى استخدام اللغة حديثا وكتابة , كما يتضمن أنواعًا أخرى من النشاط العلاماتي مثل الصور المرئية - الصور الفوتوغرافية ،الأفلام ،الفيديو ،الرسوم البيانية - والاتصال غير الشفوي – مثل حركات الرأس أو الأيدي ... الخ – ويخلص إلى أن الخطاب هو أحد أشكال الممارسة الاجتماعية .


تعريف النص والخطاب الإعلامي :
         يعرف النص الإعلامي بأنه " مقول ملفوظ أو مكتوب وصفي أو تفسيري أو نقدي ؛ موجه إلى جمهور عبر وسيلة إعلامية" والمقصود بالوصف عندما يصف عنصرا من عناصر الواقع أو الحدث، والمقصود بالتفسير عندما يتجاوز الوصف إلى بيان أسباب ونتائج العنصر أو الحدث، أما أن يكون نقديا فعندما يسعى المتكلم إلى عرض الحدث من وجهة نظره.
والذي يحكم هذا الملفوظ هو بناؤه النسقي الذي يجعل منه خطابا ينطبق عليه ما ينطبق على مختلف الإنتاجان والنصوص الوسائطية والتواصل الإعلامي.
         أما الخطاب الإعلامي كما حدده أحمد العاقد : " هو مجموع الأنشطة الإعلامية التواصلية الجماهيرية : التقارير الإخبارية ، الافتتاحيات ، البرامج التلفزية ، المواد الإذاعية ، وغيرها من الخطابات النوعية " . فالخطاب الإعلامي يضم بالإضافة إلى النصوص ، الصور والأفلام والموسيقى والأغاني والإشهار  والدعاية والرسائل والخطابات الالكترونية وغيرها.
2)  الأبحاث السيميولوجية في النص والخطاب الإعلامي :
         اهتم علماء اللغة منذ وقت طويل باللغة المستخدمة في وسائل الإعلام حيث ركزوا على تركيب الجمل والقواعد النحوية والبلاغية المستخدمة ، كما ناقشوا السمات البنائية والبلاغية الخاصة للغة الإعلام أو ما عرف بالخطاب الإعلامي .
 وتعرضت الدراسات اللغوية التقليدية والأسلوبية إلى انتقادات واسعة بسبب تركيزها علي اللغة أو الأسلوب بعيداً عن السياق المجتمعي ، وعلاقات القوة داخل المجتمع ، من هنا ظهر ما يعرف بالاتجاهات اللغوية الاجتماعية ، والتي اهتمت بدراسة اللغة الإعلامية من منظور اجتماعي ثقافي برز بوضوح في أعمال بل Bell ؛ وقد خلص على سبيل المثال إلى أن درجة تبسيط نطق نهايات الكلمات في لغة المذيعين تختلف فيما بين محطات الإذاعة في نيوزيلندا وفقا للمهن الرئيسية لجماهير المستمعين
         ومهدت المساهمات السابقة إلى ظهور مدرسة اللغويات النقدية في السبعينات من القرن العشرين ، على يد مجموعة من الباحثين ،وتقوم هذه المدرسة على محاولة الدمج والتأليف بين الدراسات اللغوية والدراسات اللغوية الاجتماعية والمناهج النقدية والدراسات السميولوجية ، حيث تنطلق من تعدد وظائف النص ،خاصة النص الإعلامي ،فهناك الوظيفة الفكرية – تكوين الأفكار – ووظيفة تصوير العلاقات الاجتماعية والهويات الاجتماعية
         ويعتبر ترو Trew ، وهودج و كريسHodg and Kress  من أبرز رموز تلك المدرسة، حيث قدم الأول أبحاثاً عديدة حول مسيرة الخطاب في الصحف ، ركز فيها على عملية تحويل المواد الإخبارية الواردة من وكالات الأنباء والمصادر الأخرى إلى تقارير إخبارية منشورة ، والتغييرات التي تخضع لها القصة الإخبارية من تقرير لآخر أو من التقارير إلى التحليل المعمق .. إلى المقالات الافتتاحية ، عبر فترة زمنية معينة  فقد يحذف الفاعل بهدف ترك القوى الفاعلة أو الجهات المسئولة غير محددة ، كما قد تعاد صياغة الجمل أو يقع الاختيار على كلمات محددة بطريقة معينة تتضمن اختيارات وتحيزات أيديولوجية ، بينما ركز هودج و كريس على سلاسل التناص في الممارسات الخطابية ، وعلى أهمية اختيار المفردات اللغوية والضمائر والأفعال المساعدة .
         وركز فان ديك على عملية إنتاج واستقبال النصوص وفق نموذج إدراكي أطلق عليه البنية أو البنيات الفوقية التي تسكن النصوص الإعلامية , في الوقت ذاته فإن النصوص الإعلامية تعتبر مركز تجمع ووسيلة إظهار لهذه البنيات الفوقية ، من هنا اهتم فان ديك بدراسة الأبعاد السياسية والأيديولوجية المعلنة والمضمرة التي يحملها الخطاب الإعلامي بكافة أشكاله ؛ كما أن فان ديك قام بتطوير نموذج لتحليل الأخبار المنشورة في الصحف بصفة خاصة باعتباره خطاباً مكوناً من ثلاثة أبعاد هي: النص ، وممارسة الخطاب ، والممارسة الاجتماعية الثقافية ، ويعتبر التركيز على ممارسة الخطاب وسيلة لربط التحليل النصي بالتحليل الاجتماعي – الثقافي.
         هناك أيضا مدرسة التحليل الثقافي التي ربطت بين الثقافة والإعلام في إطار اهتمامها بتحليل معني الثقافة ، وتحول الثقافة إلى سلع تنتج وتوزع على نطاق واسع في ظل المجتمع الرأسمالي ، من هنا ظهر مفهوم الثقافة الجماهيرية المادية وكيف أن وسائل الاتصال الجماهيري تلعب دورًا بالغ الأهمية في إنتاج وترويج الثقافة الجماهيرية وعلاقة ذلك بأسلوب الحياة والأيديولوجية والوعي في المجتمع.
         وفي إطار هذه المدرسة ظهرت كثير من البحوث التي تناولت بالتحليل الخطاب الإعلامي من زاوية تأثيره في خلق أو تغييب الوعي لدى الجمهور ، وكذلك دور الخطاب الإعلامي في عملية التفاعل الاجتماعي ، وقد طور ستيوارت هال مفهوم الضمنية والتصريح والتغيير في اللغة ،وأكد أن المعنى هو نتاج العملية الجدلية بين النص والقارئ في سياق اجتماعي وتاريخي معين ، وخلص إلى أن وسائل الإعلام لا تعكس الواقع وإنما. تقوم بإنتاجه عبر المعاني والاختيارات الأيديولوجية التي تنتجها أو تروج لها . المحاضرة ( 2):
1)  التحليل السيميولوجي للنص والخطاب :
مفهوم التحليل :
         التحليل لغة : مصدر (حَلَّل) فهو في أصل دلالته اللغوية يعني رفع المانع عن الشيء الممنوع ، بحيث يصبح في المتناول.
          وهو أيضا بمعنى التفكيك وتقسيم الشيء إلى أجزاء.
         ثم أصبحت صيغة (التحليل) مصطلحا يعبر به عن عملية توضيح مضامين الأشياء والمواد، والكشف عن المراد منها
ويعرف التحليل أيضا بأنه توظيف كل ما يمكن من الأدوات والقرائن لرفع موانع الإدراك والفهم عن مضامين الرسائل ومعانيها، وفق ما يقتضيه نوعها ومجالها..
مفهوم التحليل السيميولوجي :
التحليل السيميولوجي هو " ذلك الإجراء أو الإستراتيجية البحثية التي تستهدف استكشاف الوحدات البنائية للنسق الاتصالي، فإذا كان هذا النسق صورة أو رسما، فإن التحليل هنا هو تجزئة مكونات هذه البناءات لمعرفة مدى تماثلها أو تقابلها باعتبارها نظائر، ومن ثم معرفة الصيغة الوظيفية التي تحكم هذا البناء والتفاعل الدلالي لهذا النسق" ، ويعرفه الباحث الدنماركي لويس يامسلاف – louis hyemslev – بأنه " مجموعة التقنيات والخطوات المستخدمة لوصف وتحليل شيء باعتباره له دلالة في حد ذاته، وبإقامته علاقات مع أطراف أخرى من جهة أخرى"
* ينبغي الإشارة إلى أن التحليل السيميولوجي لا يخضع لطريقة محددة أو تقنيات وخطوات موحدة ، فقد تبنى العاملين في هذا المجال إجراءات مختلفة  ومتنوعة ، ويعود ذلك لاختلاف إختيارات المحللين أولا ولاختلاف طبيعة النصوص  ثانيا ، كما أن  عمليات قراءة النص وفهمه وتفكيكه وربطه بالأنساق الثقافية والاجتماعية ترتبط بالمهارات والقدرات التي يمتلكها المحلل.
خطوات تحليل النصوص :
إن المحلل السيميولوجي إذا ما أراد الاشتغال على نص أو خطاب معين سيجده عبارة عن "كتلة" وهنا يبرز السؤال المحير : من أين يبدأ ؟ ويحاولا " لوران بارث " الإجابة على هذا السؤال ؛ وذلك بوضع معايير لتحليل النصوص وتتمثل في :
1/ تقطيع النص إلى وحدات : ويشرح " بارث " هذه العملية في كتابه s/z  فيقول : " إن النص سيقطع إلى سلسلة من شذرات قصيرة متجاورة ستسمى هنا وحدات قرائية ... وستشمل الوحدة القرائية تارة بضع كلمات وتارة أخرى بضع جمل...والمطلوب ببساطة أن لا تتضمن الوحدة على أكثر من ثلاثة أو أربع معان يتم تعدادها". وبعد تقطيع النص إلى وحدات لا بد من بيان الروابط والعلاقات بين هذه الوحدات.
2/ النسق والإيحاء : يؤكد " بارث " أنه ليس للنص معنى وحيد ، بل هو نسيج مركب ، تتفاعل بداخله مجموعة من الأنساق ؛ وماهو النسق ؟ إنه مجموع الاقتباسات والإحالات الرمزية والأيديولوجية ، فالنص كما يرى " بارث " يتكون من " الما سلف" أي ما سبق قراءته وسماعه ومشاهدته ، وهذا يقودنا إلى مفهوم " التناص" أي تداخل النصوص ، فالمحلل السيميولوجي يعمل على الكشف عن تفاعل النص مع النصوص الأخرى والأنساق الثقافية التي استمد منها تكوينه.
3/ التحليل والتحديد : ينتج عن عملية التحليل نصا جديدا ، ويسميه " بارث" النص الواصف ، ويرى أن " النص الواصف" هو في الحقيقة "النص الأصلي" نفسه وقد تشظى وتجزأ فاتضحت معانيه وتجلت إيحاءاته  ، فالتحليل السيميولوجي هو تحليل " محايث" أي لا يخرج عن إطار النص ، ولا يبحث عن المعنى أو الدلالة خارجه .
-  قد يتبادر للذهن أن مبدأ المحايثة والقول بالتناص متناقضان ، لكن في الحقيقة لا يوجد تناقض بينهما ، فالعمل على كشف التناص داخل النص أي التعرف على الأفكار والمعتقدات المسبقة والأنساق الثقافية والاجتماعية المشكلة للنص إنما يتم داخل النص ومن خلاله وليس البحث خارجه ، وهو معنى المحايثة.
ويمكن توضيح خطوات تحليل النص حسب " بارث " في المخطط الآتي :

النص موضوع التحليل ــــــ الترتيبات الاجرائية وعمليات التحليل ـــــــ تقطيع النص إلى وحدات وتتبع أنساق النص ــــــــــــــ النص الواصف المتضمن للوحدات القرائية
( المصدر :  رولان بارث ، التحليل النصي ، ترجمة : عبد الكبير الشرقاوي ، دار التكوين، دمشق ،  2009 ، ص  11).
معايير تقطيع النصوص:
يعتبر تقطيع النص أو الخطاب إلى مجموعة من المقاطع الصغرى أو الكبرى عملية منهجية ناجعة للإحاطة بدلالات النص الظاهرة أو العميقة ، ومن المعلوم أن السيميولوجيا قد أولت عناية كبرى لعملية التقطيع؛ لما لهذه العملية من فوائد عملية وعلمية ومعرفية ومنهجية وبيداغوجية، حيث تساعد السيميولوجي بصفة خاصة، والدارس أو الباحث أو المحلل أو المؤول أو القارئ بصفة عامة، على تحليل النص تحليلا علميا دقيقا ومضبوطا، ومقاربة الخطاب تفكيكا وتركيبا، وذلك قصد استخلاص دلالاته واستكشاف وحداته .
وقد وضع الباحثون عدة معايير للتعامل مع النص نذكر منها :
         المعيار البصري :يرتبط المعيار البصري بالجهاز الكتابي والطباعي الذي يظهر فوق الصفحة ،ويقترن أيضا بكل العلامات الطيبوغرافية التي يتضمنها النص أو الخطاب، كتقسيم المعطى المعروض إلى جمل مفصولة بعلامات الترقيم، وتقطيعه إلى فقرات ومقاطع وفصول ومشاهد ومناظر وأبواب وغيرها.
         المعيار العاملي أو الفاعلي :ظهور فاعل أو عامل أو شخصية في ساحة الأحداث، أو غيابها ليحضر عامل أو فاعل آخر، فإن ذلك يساهم بلا شك في تحديد المقاطع النصية بشكل مضبوط ودقيق. كما أن الصراع بين العوامل لتحصيل الموضوع المرغوب فيه .
         المعيار الفضائي : تمثل المعيار الفضائي في استعمال المؤشرات الزمانية والمكانية في تقطيع النصوص والخطابات. وبالتالي، يمكن للزمان أو المكان أن يسهلا عملية القراءة والاستيعاب، وفهم النص فهما جيدا، وتأويل مقاصده ورسائله القريبة والبعيدة. ولا يتحدد ذلك بوضوح إلا بوجود أمكنة وأزمنة مختلفة على مستوى التحديد والتأشير.
         المعيار الدلالي : يعنى تقسيم المعطى إلى وحدات معنوية دلالية وغرضية بارزة. و ذلك يتم بشكل من الأشكال عن طريق تحديد الأفكار العامة والأساسية والثانوية والفرعية .

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق